نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٥١ونرى أن المناسبة جدّ وطيدة بين الآيتين المتعاطفتين: لأن الذي خلق هذه الكائنات كلها وقدّر لها أرزاقها وألهمها تدبير شؤون حياتها كما ألّهم هذا الإنسان الخصيم لربّه، لا يعجزه أبدا أن يأتي بما يقترحه أولئك المعاندون، ولكنهم لاستغلاقهم في الجحود والعناد. لا يدركون الحكمة في ذلك.
(مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ): جملة معترضة، جاءت لتأكيد علم الله وقدرته الشّاملة المحيطة بكل ما في أرجاء الكون خلقا وإيجادا وتدبيرا وتصريفا، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء أي كل ذلك مقدّر في علمه وتدبيره. لا تفريط فيه ولا تقصير. على أن المراد "بالكتاب" في الآية الكريمة: العلم الإلهي الشّامل الكامل. والنّكرة في سياق النّفي للاستغراق، وذهب بعض المفسّرين أن المقصود من الكتاب هو "القرءان" وأن معنى العموم في كل شيء يراد به أحكام الدّين وهو بمعنى قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3). ويؤيّد الوجه الأول قوله تعالى في سورة هود: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود:6).
(ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ): ذهب المفسّرون في معنى الحشر هنا باعتبار كل الكائنات إلى مذهبين:
أ- أن الضّمير في الآية يرجع إلى الدّوابّ والطّير ونكتته جعلهما من ضمائر العقلاء تشبيه أممهما بأمم البشر العقلاء: ويرى ابن عبّاس: أن حشر البهائم هو موتها.