نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٦كلام مستأنف مفتتح بفعل: (قُل): يأمر الله فيه رسوله بتوجيهه إلى المشركين في معرض التّهديد والوعيد، بعد أن بيّن الله تعالى كمال قدرته وإحاطة علمه بكل ما في الكون، وأوضح جهل الكفار وبعدهم عن أسباب الهداية. وأنه تعالى يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما تقتضيه حكمته وما قدّره في علمه الأزلّي. وفي هذا السّياق يذكّر المشركين بما أودع الله في أصل فطرتهم من الإيمان بالله وتوحيده، وهو ما يسمّيه العلماء بعالم الذّرّ في أصلاب الآباء والذي تفصح عنه ءايات الأعراف في قوله تعالى: (وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ) (172). وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله- يواجههم بنداء الفطرة حين تثوب إلى رشدها وتنكشف على حقيقتها، وذلك في مواقف الهول والخطر، إذ تعجز حيلة الإنسان، وتنقطع عنه أسباب النّجاة، فلا يجد ملاذا إلا في كنف الله، ولا يتوجّه بدعائه الضّارع إلا إليه، وحينئذ يضلّ عنه من كان يدعو من دون الله، مهما كان نوع ذلك الشّرك أو الكفر. وقد صوّر القرءان الكريم يقظة الفطرة في ذات الإنسان عند اشتداد الهول عليه وفي مواقف الشّدة. وأغلبها في تصوير أهوال البحر عند هبوب العواصف كما جاء في السّور: الإسراء، يونس، لقمان، الرّوم الخ …