نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٨٤(وَعِندَهُ’ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ): وبعد البيان الإجمالي لسعة علمه تعالى جاءت المعطوفات الأخرى تفصّل ذلك الإجمال. ولكن في إطار المشاهدات للإنسان. غير أن محدودية المعرفة للإنسان في تلك المشاهدات مما يخفى عليه في برّ أو بحر، أو في ظلمات الأرض، تجعل كثيرا من دقائقها وجزئياتها مجهولا لديه، إلا أن يهتدي –أحيانا- إليها بوسائله العلمية، فحصل من ذلك أن علم الله تعالى يحيط بجميع الموجودات ظاهرها وخفيّها حيثما قدر الله وجودها في زمان أو مكان أو في غيرهما مما نجهله فهو كما وصف نفسه تعالى: (هُوَ اللَّهُ الذِي لآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر:22). ويلاحظ دقة التّرتيب على طريقة التّرقّي من الأدنى إلى العلى في الدّقة والخفاء. فخفايا البحر أعظم من خفايا البرّ، ثم من خفايا القدرة الإلهية ذلك الخلق المستكنّ في الحبّة وهي مستورة في ظلمات الأرض، أو في الخلية تنمو وتتحرّك، أو في الرّطب واليابس من ظواهر الموت والحياة. وقد تعرّض بعض المفسّرين إلى فائدة ذكر هذا التّفصيل لعموم علمه تعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات، فقال الإمام ابن عاشور ما نصّه: "وقد علم من هذه الآيات عموم تعالى بالكلّيات والجزئيات. وهذا متفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السّابقة، وما أعلنه إلا القرءان في نحو قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنعام:101). وفيه إبطال بقول جمهور الفلاسفة أن الله يعلم الكليات خاصّة ولا يعلم الجزئيات، زعما منهم بأنهم ينزّهون العلم العلى عن التّجزئي. فهم أثبتوا صفة العلم لله تعالى وأنكروا تعلّق علمه بجزئيات الموجودات. وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء".(1)
قلت:
(1) – التّحرير ج 07 / ص 274.