نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٨٧إذا قارنّا التّعبيرين في الآيتين الكريمتين من سورتي الأنعام وسورة لقمان: فسنجد التّركيب متشابها تقريبا ففي نوع الغيب المطلق الذي يستأثر الله تعالى بعلمه. يقول في سورة الأنعام بصفة إجمالية: (وَعِندَهُ’ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ): بتأكيد الحصر. ويقول في سورة "لقمان" بأداة التّوكيد: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (لقمان:34). وقد بيّنا أن العندية هي بالنّسبة إلى الله تعالى بمعنى العلم والاستئثار ثم يفصّل بعض الجزئيات من عالم الشّهادة مما هو خفي ويمكن للإنسان أن يطلع على بعضه بعلمه الكسبّي ويستعمل صيغة المضارع وبدون حصر في بعضها كقوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وبنفس الأسلوب ترد في سورة "لقمان" جملتّا: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الاَرْحَامِ) (34). فإذا أمكن للإنسان بعلمه الكسبّي أن يتوصل إلى معرفة توقعات نزول الغيث، ومعرفة ما في الأرحام من ذكر أو أنثى بما هو حاضر مشاهد بعينيه أو بآلاته، فهل يمكن أن يعلم ما ليس بموجود، وهو مقدّر في علم الله الأزلّي الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون. كلا -إذن- فلا تناقض في مدلول الآيتين ومعنى الحديث، وما أصبح عليه واقع الإنسان من معرفته وإطلاعه على بعض الخفايا والأسرار في الأنفس وفي الآفاق.
وكنت قد أجبت لبعض طلبه العلوم على هذه الإشكالية بهذا التّحليل لمعنى الآيتين من غير أن أطلع على ما كتبه صاحب المنار في طرح هذه الإشكالية، فحمدت الله أن وفقني إلى ذلك الرّدّ المعقول، ثم اطمأن خاطري عندما قرأت النّصّ الذي يقول فيه ما نصّه: