نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٩٠يتواصل السّياق بهذه المعطوفات بعد قوله تعالى: (وَعِندَهُ’ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ): لبيان قدرة الله في أنفس البشر وهو يخاطب المشركين الجاحدين بالخصوص، ويلفت نظر الخلق أجمعين لتلك الحالة الطّبيعية التي تعتريهم في هداة اللّيل من السّبات والنّوم توفيرا للراحة البدنية والعقلية في فترة زمنية هي ضرورية لحفظ النّفس والعقل. وتعريف جزئين الجملة جاء بصيغة القصر. بمعنى: " هو لا غيره من ءالهتكم المدّعاة، ينيمكم في هداة اللّيل. والنّوم موتة صغرى للحيوان ينقطع فيه عن الإدراك والعمل، فلا وعي ولا حسّ، إنما هو نفس يتردّد، وأجهزة داخلية تقوم بوظيفتها في دقة ونظام، وقد شبه النّوم بالموت فعبّر عنه بالتّوفي، وهو استيفاء الشّيء حقه كاملا. وفي ءاية الزمر، جمع الله بين الموت والنّوم بلفظ التّوفي فقال جلّ من قائل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً اِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:42). وهذه الظّاهرة هي من عجائب الخليقة في ذات الإنسان، ولا يزال سرّها غير معلوم لدى العلماء وإن عرفوا ظوارها، فهي تندرج في أسرار الغيب، كسرّ الرّوح في ازدواجه بالجسد وانفصاله عنه بالموت، فهي -إذن- ظاهرة ومجلي لقدرة الله تدعو للتأمل والتّفكّر.