نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٢٩١

(وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ): ففي النّهار يسعى النّاس لاكتساب أرزاقهم وتدبير شؤونهم الدّنيوية، ولهم كسب واختيار ولهم حرية في التّصرّف، ولكن لا يعني ذلك أنكم منفلتون من قبضة الله كما يعتقده المشركون، وإنما هي رحمة الله في الاستدراج والإمهال، وسنته في الاختبار والابتلاء. وهو يعلم ما تكسبونه بجوارحكم في وضح النّهار، وقد بعثكم فيه، أي أيقظكم وأعادكم للحركة والنّشاط لتقضوا ءاجالكم في مسيرة عمركم كما حدّدها الله. وفي التّعبير ب (يَبْعَثُكُمْ فِيهِ): إيماءة إلى البعث ليوم الحساب في الحياة الآخرة مما ينكره المشركون. ليوضّح المجهول بالمعلوم والمغيّب بالمحسوس، فكلاهما يتمّ بقدرة الله ومشيئته. وذكر أعمال النّهار دون اللّيل هو على أسلوب التّغليب لأن الله تعالى لا تندّ عنه حركة ولا سكنة ولا تحدّ علمه ضوابط الزّمان والمكان كما قال تعالى في سورة الرّعد: (سَوَآءٌ مِّنكُم مَّنَ اَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاليْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). (لَهُ’ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ’ مِنَ اَمْرِ اللَّهِ) (10 - 11). ذلك هو الموت الأصغر، وحين تستوفون ءاجالكم تعودون إلى الله. فهي عودة الرّوح إلى مصدرها كما جاءت من عند بارئها أول مرّة في نشأتكم الأولى، تعودون إليه ليخبركم بما كسبتموه من أعمال؛ إذ هي محصية عليكم ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن خير فخير وإن شرّا فشرّ. وبين النّوم واليقظة، وبين الموت والبعث مهلة تقتضي العطف "بثم".

١٬٧٤٩ / ٦٬٢٠١