نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٣(وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): وفي حالة طروء النّسيان بالقعود في مجالس القوم الخائضين، فيجب عليكم الإعراض فور تذكّركم، فأكّد الله تعالى الأمر بالإعراض بالنّهي عن القعود بعد التّذكّر وأظهر مكان الإظهار ليصف أولئك الخائضين بالظّلم لأنه إنكار للحق واستهزاء بذويه. وصفة النّسيان للرسول من طرف الشّيطان هي من صفات الخِلقة البشرية التي لا تنافي عصمة الرّسل في أمانة التّبليغ لدين الله وعصمتهم من الدّنايا، لأن إنساء الشّيطان للإنسان بعض الأشياء لا يعني تسلّطه عليه بوسوسة الشّرّ واستحواذه عليه بالإغواء الذي نفاه الله عن عباده المؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّهُ’ لَيْسَ لَهُ’ سُلْطَانٌ عَلَى الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ’ عَلَى الذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ’ وَالذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) (النّحل:99 - 100). وقد جاء التّعبير في القرءان لما وقع لبعض الرّسل والصّلحاء من هذا النّسيان فقال جلّ من قائل: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (الكهف:24). وقال في شأن ءادم: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ’ عَزْماً) (طه:115). وقال في شأن يوسف: (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (42). وقال في خادم موسى بوشع: (وَمَآ أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنَ اَذْكُرَهُ’) (الكهف:63). وقد أنسى الله نبيه زمن ليلة القدر لما في إخفائها من حكمة الاجتهاد في الطّاعة ليالي رمضان المعظم. وثبت في كتب السّنة: أن النّبي صلى الله عليه وسلم وسها في الصلاة فقال: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسوْن فإذا نسيت فذكّروني".(1)
(1) - الحديث.