نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣١٢(وَأَنَ اَقِيمُواْ الصَّلَواةَ وَاتَّقُوهُ): فبعد الأمر بإخلاص العقيدة وإسلام الوجه لله، عطف عليه الأمر بالجانب السّلوكي العملّي، في أصدق مظهر له وهو إقامة الصّلاة، أي الإتيان بها على الوجه الأكمل وملاك الأمر في كل من العقيدة والعمل الصّالح هو تقوى الله ومجانبة سخطه وغضبه بمخالفة دينه وشرعه. وذلك ما تفيده ءاية سورة العنكبوت: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (العنكبوت:45). بعد قوله تعالى في بيان المقصد الشّرعي من الصّلاة: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت:45).
(وَهُوَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): أي تجمعون إليه وحده يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا الخبر جاء معطوفا على الأمر بالتّقوى في قوله تعالى: (وَاتَّقُوهُ): لأن الإيمان بالبعث والحشر والجزاء من أقوى الدّواعي لتقوى الله وفي هذا الإخبار تعريض للمشركين، بأن ءالهتهم لا تغني عنهم من الله شيئا.
(وَهُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاََرْضَ بِالْحَقِّ): والخلق هو الإيجاد من العدم. وهو من خصوصيات الألوهية والمشركون لا ينكرون ذلك. غير أن تصوّرهم لمعنى الألوهية فاسد بجعل الوسائط بينهم وبين خالقهم، وقوله تعالى: (بِالْحَقِّ): أي الحق الثابت المتحقق الأصيل، وهو قوام ذلك الخلق إحسانا وإتقانا وحكمة بالغة في ترتيب قوانينه وسننه، لا تفاوت فيها ولا تناقض. وبالتالي فإن ما أودع الله في السّماوات والأرض من الكائنات والخلائق، وفي طليعتها هذا الإنسان المكرّم، والحامل لأمانة التّكليف، لا يمكن أن يترك سدّى بغير حساب ولا جزاء، لأن ذلك ينافي الحق والعدل الذي قامت عليه السّماوات والأرض: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون:115 - 116).