نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣٢٢

(فَلَمَّا رَءا الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ): انتقل إبراهيم متدرّجا من الأضعف إلى الأقوى في الكواكب، حسب المشاهدة البصرية البسيطة، وبزوغ القمر هو طلوعه من وراء الأفق. وهو أكثر إضاءة من الكوكب. ولكنه يعتريه الأفول كغيره من النّيرات، وهو يعرف ذلك، وأعطاه وصف الرّبّ: (قَالَ هَذَا رَبِّي): استدراجا لقومه، وفق ما كانوا يقولون ويعلنون. وتمهيد الإبطال ذلك. وجاء التّعبير بالقمر في هذه القصة، كما ذكر بنفس اللّفظ في ءايات أخرى. وللقمر أسماء مختلفة بحسب منازله في الأفق، فهو هلال فقمر فبدر. ويتعبّن أن يكون أفوله في جزء من اللّيل، لأنه قد يبدو نهارا في بعض منازله ومن قديم الزّمان يسهر النّاس على ضوء القمر ويتفرقون عند أفوله. فيمكن بذلك أن تتمّ تلك الرّؤية لهذه النّيرات في ليلة واحدة ونهار واحد. وقد اعتورها الأفول كلها. فهي إذا لا تصلح أن تكون ربّا معبودا. ولذا ينبّه إبراهيم قومه بأسلوب التّعريض: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ): ينبّههم أنهم على ضلال في ما يفعلون، وهو يلتمس الهداية من ربّه حتى يجانب ضلالهم، وأن هذا الرّبّ لا يمكن أن يكون نجما ولا قمرا ولا شمسا، وإن كانت أعظم منهما، لأنها كلها لا تملك الثبات والاستقرار. والربّ المعبود في حسّ إبراهيم ونور بصيرته لا يتعب ولا يعجز ولا يغيب. فهو الذي يستمدّ منه الهداية. وقومه لا ينازعه في هذا الرّبّ الذي يعتقد به، لأنهم يقولون بتعدّد الآلهة. ويترقى إبراهيم في الاستدلال وإقامة الحجة لينتهي إلى الإعلان بالبراءة مما عليه قومه من الكفر والضّلال.

١٬٧٨٠ / ٦٬٢٠١