نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣٢٣

(فَلَمَّا رَءا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ):لم يؤنث لفظ الإشارة مراعاة للفظ " الرّبّ" ولصيانته من شبهة التّأنيث. وقوله: (هَذَآ أَكْبَرُ): لتأكيد مجاراته لقومه في ما يعتقدونه من تعدّد الآلهة، وإضفاء صفة الكبر للشمس حجما وضياء يجعلها في نظر القوم أحق بإعطاء الرّبوبية لها لو كان الأمر يرتكز بين الأجرام الثّلاثة على التّفاضل بينها ولكونها يعتريها كلها صفة الأفول، فقد سقط ذلك الاعتبار عنها وأصبحت هي الأخرى في حكم المخلوق العاجز وعند وصول إبراهيم إلى هذه النّتيجة الملزمة في إقناع القوم صرّح بحقيقة ما يعتقده حقا وصوابا في توحيد الإله، وتبرّأ من شرك قومه، ثم أعلنها مفاصلة تامّة بينه وبينهم بالإفصاح عن عقيدته والتّأكيد على براءته مما هم فيه. فقال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ): فهو توجّه القلب السّليم إلى الرّبّ الخالق العظيم، وهو بمعنى إسلام الوجه، أي الخضوع في حبّ وإجلال للمعبود الحق. وهو توجّه ثابت مستقرّ لا ينحرف إلى الشّرك قيد أنملة. ثم نفي نفيا قاطعا أن يكون من المشركين، وبذلك يكون قد تبرأ منهم أنفسهم بعد ما تبرأ من شركائهم. واستحق إبراهيم بمثل هذا الإخلاص والوفاء لعقيدته أن يكون خليل الرحمن، ويبقى للمؤمنين الصّادقين أسوة حسنة. قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمٌ (إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ (إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمُ (إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضآءُ اَبَداً حَتَّى تُومِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ () (الممتحنة:4).

-صدق الله العظيم- وهو أعلم بمراده.

١٬٧٨١ / ٦٬٢٠١