نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٨١وقضية الخلود في النار قد استنفدت جهدا كبيرا من علماء الكلام، وليس وراء ذلك في مجال العقيدة إلاّ الحيرة والاضطراب والتواكل المغري باجتراح المعاصي والإدمان عليها اعتمادا على مثل تلك القضايا الكلامية التي شوّشت على المسلمين معتقدهم في مفهوم الإيمان أهو معتقد وقول فقط، أم هو قول وعمل، وبالتالي فإن المؤمن العاصي، مهما أحاطت به خطيئاته فإنه غير مخلّد في النار، بينما الرعيل الأول من الصحابة-رضوان الله عليهم– ما وقعوا في مثل ذلك الهوس الكلامي، وما لجأوا إلى الاختلاف في تأويل المتشابه.
والعجيب أن يقع المسلمون في ما وقع فيه أهل الكتاب ومثل هذه الآيات تنكر عليهم ذلك، وقد لزّ الله الفريقين في قرن واحد إذ قال في سورة النساء: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ، مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَنْ يَّعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ اَوُ انثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء: 123 - 124).
والتعبير بفعل (كَسَبَ) يدلّ على مسؤولية المكلّف في اختياره الحرّ لما يقترفه من الأعمال إن خيرا أو شرّا، وبالتالي فإن الجزاء المترتب على ذلك من عذاب النار هو من مقتضى العدل الإلهي جزاءً وفاقا، وبعد الوعيد يأتي الوعد النديّ بجنة الخلد للمتقين الأبرار الذين يجمعون بين المعتقد الصحيح والعمل الصالح، لا مجرد الادعاء والأماني عملا بقول رسول الله: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني».(1)
والله أعلم
(1) - رواه الحاكم في المستدرك عن شداد بن أوس، حديث 191، 1: 125.و قال: صحيح على شرط البخاري و لم يخرجاه.
و رواه الترمذي عن شداد بن أوس أيضاً، كتاب صفة القيامة و الرقائق و الورع، حديث 2459، 4/ 638.