نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٥فتجيء هذه الآيات لتقرّر بعض الحقائق التي يجب أن لا تغيب عن البال عند التّحليل لطبيعة أية دعوة صالحة وموقف النّاس إزاءها. وهي تكملة لما سبق في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ). فبعد ذلك التّشكيك للمؤمنين في إمكانية إيمان أولئك المستهزئين، لأن أمرهم بيد الله وحده جاءت هذه الجملة المعطوفة لتذكر ثلاثة من مقترحات القوم. وكلها من خوارق الغيب وهي:
أ) - إنزال الملائكة، وقد تقدم الرّدّ عليهم في أول السّورة.
ب) - إحياء موتاهم ليكلّموهم في حقيقة محمد وما جاء به.
ج) - جمع كل شيء مما طلبوه من غير الملائكة والموتى فيكون مقابلا لهم عيانا.
(مَّا كَانُواْ لِيُومِنُواْ إِلَّآ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ): تأكيدا لنفي إيمانهم. أي ليس ذلك من شأنهم ولا من مقتضى استعدادهم. لأنهم ما اقترحوا ذلك لتدبّره والنّظر في عجائبه، ولكنهم طلبوا ذلك معاداة واستهزاء. فهم لا يؤمنون ما داموا متلبّسين بالكفر والعناد. إلا أن يشاء الله إزالة تلك الحالة من قلوبهم. أي وفق اختيار الإنسان بإرادته وحريته، ولمزيد من بيان التّوازن بين قدر الله وكسب الإنسان ننقل ما قاله السّيد قطب -رحمه الله- خلال تفسير هذه الآية الكريمة. قال: "إن الإيمان حدث والضّلال حدث. وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من الله ينشئه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49). فأما السّنة التي يجري على أساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان، فهي التي تبيّنها مجموعة النّصوص. وهي أن الإنسان مبتلى بقدر من الاختيار في الاتجاه. فإذا اتجه إلى الهدي وجاهد فيه هداه الله ووقع هداه وتحقق بقدر من الله، وإذا اتجه إلى الضّلال وكره الهدى أضلّه الله، ووقع ضلاله وتحقق بقدر من الله. وهو على الحالين في قبضة الله وسلطانه. وحياته تجري بقدر الله وعلى مشيئته الطّليقة، وسنته التي وضعتها مشيئته الطّليقة".(1)
(1) - ج 08 / ص 355.