نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٤٠٩(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ): الإشارة إلى التّولية الحاصلة بين الجن والإنس، بأن يحصل مثلها بين الظّالمين. وذلك بأن يكون بعضهم أنصار بعض، كما جرت سنة الله تعالى في خلقه أفرادا وجماعات، إذ يميل كل منهم إلى من يكون على شاكلته خيرا أو شرّا، فيتحالفون ويتعاونون في ما اختاروه لأنفسهم، ويناوئون من يخالفهم في ذلك. قال الشّاعر: "إن الطّيور على أمثالها تقع". وقد فصّل القرءان تلك التّولية. فقال في شأن المؤمنين: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ (أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) (التوبة:71). وقال: (وَالذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمُ (أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) (الأنفال:73). وقال في اليهود والنّصارى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ (أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) (المائدة:51). ولفظ: (الظَّالِمِينَ): عامّ يتناول كل أنواع الظّلم من أعظمه جرما -وهو الشّرك بالله- إلى ما هو أدنى من ذلك بما فيه ظلم الإنسان لنفسه أو ظلمه لغيره. ومن هنا قرّر مشائخنا -رحمهم الله- في الولاية والبراءة أن تتفرعا إلى ما هو عامّ وما هو خاصّ يتناول كل شخص يظلم نفسه بمعصية الله مجاهرا ومتحدّيا. فالله تعالى يملي للظالم ولا يهمله. وقضت سنته أن يبلوا النّاس بعضهم ببعض، فيسلّط على الظّالم من هو أظلم منه، يقول الشّاعر:
وما من يد إلا ويد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم.