نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٣٣

وتعالى الله عن هذا العبث في تعطيل وتيرة الخلق والإيجاد في تلك المخلوقات التي سخّرها لمنفعة الإنسان. لأن التّحريم بأحد تلك الأوصاف تعطيل لسنة الحياة في تكاثر الأنواع واستمرارها إلى ما يشاء الله وقد روي أن الذي ابتدع هذا التّصنيف في التّحليل والتّحريم هو عمرو بن لحيّ بن قمعة الجاهلّي، فشوش بذبك على العرب الجاهليين ما يزعمون أنهم فيه على ملة إبراهيم. وهكذا تزيغ المجتمعات البشرية إذا طال عليها الأمد في فترة من الرّسل. ومن هنا يتضح المسلك الإسلامّي في تقويم ذلك الانحراف بالدّعوة إلى منهج الله السّويّ.

(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ اِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا):؟؟ … أضيف هذا الاستفهام لزيادة الإنكار على المخاطبين من طرف الرّسول. والاستفهام دلّ عليه السّياق، والتّقدير أعندكم علم بهذا التّحريم فتنبّئوني به، أم كنتم حضورا إذ وصّاكم ربّكم بهذا مباشرة؟؟ … وبما أنهم لا يستطيعون ادّعاء وقوع الأمرين، فقد ثبت عليهم الكذّب والافتراء على الله. وذلك من أقدح الظّلم.

(فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ): والكذب من أقبح ءافات اللّسان وأفظحها جرما في معاملة الخلق، فكيف بالكذب على الله في مجال شريعته وأحكامه؟؟ … حين يدّعي أحد أنّ ما يرشد إليه له مستند من دين تغريرا بمن يستمع إليه، وإضلالا لغيره من النّاس الذّين لا تنبني عاداتهم وأعرافهم إلا على التّقليد الأعمى، سيما إذا أضفى عليها طابع الدّين، كما قال تعالى في شأن هؤلاء: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلِ اِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَآءِ اَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:28). وبعد التهكّم الذي تضمنه الاستفهام الإنكاريّ في السّياق يجيء هذا التّعليل تذليلا يأخذ الحكم العامّ مؤكدا "بإن".

١٬٨٩١ / ٦٬٢٠١