نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٤٦٧إن الواقع التّاريخي للمسلمين قديما وحديثا يدل على انزلاقات خطيرة بخلط السّياسة بأمور الدّين، وزجّ قداسة الدّين في النّزاع والصّراع على الملك والدّنيا بدءا بالفتنة الكبرى إلى ما نعيشه اليوم من التّطرّف الدّيني وما نتج عنه من التّقتيل والتّخريب لأجل الحظّوظ الدّنيوية باسم الدّين وادْعاء الأخذ بأحكامه ومبادئه.
(مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ’ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ):
وعلى ذكر الجزاء والحساب، وبعد ذلك الإنذار الشّديد من عاقبة التّفريق في الدّين، تجيء هذه البشارة الإلهية، بمضاعفة أجر المحسنين، وتتجلّى رحمة الله وعدله في حساب عباده. إذ جعل للحسنة الواحدة ثواب عشر أمثالها. وقد يضاعف لمن يشاء بأزيد من ذلك إلى سبعمائة حيث يتمّ الإنفاق في سبيل الله لإعلاء كلمته بالجهاد المقدّس إن بالنّفس أو بالمال أو بكليهما معا، فقال جلّ من قائل: (مَّثَلُ الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261). وتقدير ذلك الأجر والثّواب موكول على علم الله لأنه تعالى أعلم بالنّوايا والمقاصد. واستعملت صيغة الحصر في جانب السّيئة: (وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا): للاهتمام بجانب نفي الزّيادة على المماثلة، لأن مقتضى العدل في العقوبة بالجناية أن تكون بالمثل لا أكثر والله يقول وله المثل الأعلى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) (النحل:126). ويتحقق الفضل بالصّبر والعفو: (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) (النحل:126).