نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ٩وفعل: ﴿اَهْلَكْنَاهَا﴾: يكون مستعملا في معنى الإرادة بحصول مدلوله. وقد رتب على الإهلاك مجيء البأس وهو حاصل مع حصول الإهلاك أو قبله، إذ هو سبب الإهلاك. وفي بيان موقع الفاء بينهما يقول الإمام ابن عاشور توضيحا لما أشكل فيه المفسّرون لبيان موقعها: "والتّعبير عن إرادة الفعل بذكر الصّيغة التي تدلّ على وقوع الفعل يكون لإفادة عزم الفاعل على الفعل عزما لا يتأخر عنه العمل بحيث يستعار اللفظ الدّال على حصول المراد، للإرادة لتشابههما، وأما الإتيان بحرف التّعقيب بعد ذلك فللدلالة على عدم التّرتيب".(1) واستعير المجيء لحدوث الشّيء وحصوله بعد أن لم يكن.
د) - البيان والتّفسير:
بعد بيان إنزال الكتاب إلى الرّسول للإنذار والتّذكير، وأمر الخلق بإتباع ما أنزل إليهم من ربّهم، ذكر الله هنا ما يترتب عن المخالفة من عذاب في الدّنيا في العاجل وعذاب الآخرة في الآجل. فقال عز من قائل: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً اَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾: إهلاك القرى بعد أن حقت عليها كلمة العذاب من الله تعالى سنة من سنن الاجتماع يتسبّبُ فيها الخلق أنفسهم بما كسبت أيديهم، وهو نوع من تأديب الله لخلقه إذا ما طغوا وعاثوا في الأرض فسادا. وقد تكرّر في القرءان الكريم ذكر هذه القاعدة: إمّا في شكل الاستئصال الكلّي لقرى وأهلها كما حدث للأمم الخوالي، وإمّا بحلول النّقم والمصائب المتوالية. قال تعالى:
أ) - ﴿وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمُ (إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:58).
ب) - ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30).
(1) - التّحرير: ج08 - ص20.