نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ٢٣وللإمام ابن عاشور ملحظ لطيف في قوله تعالى حكاية عن تمرّد الشّيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: قال: "وهذا الكلام يدل على أن إبليس علم أن الله خلق البشر للصلاح والنّفع، وأنه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سميّث أعمال الخير في حكاية كلام إبليس: "صراطا مستقيما" وأضافه إلى ضمير الجلالة، لأن الله دعا إليه وأراد من النّاس سلوكه. ولذلك أيضا ألذّم: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: ﴿ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: وبهذا الاعتبار كان إبليس عدوّا لبني ءادم، لأنه يطلب منهم ما لم يخلقوا من أجله، وهو مناف للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّعيير. وذلك ما أفصح عنه الجعل الإلاهي المشار إليه بقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ (الأعراف:24). وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح".(1)
قلت:
إن هذا المشهد المثير في حوار الملإ الأعلى جرى بين الخالق العظيم وبين ثلاثة نماذج من خلقه ينبثون في ملكوته يمثل كل نموذج منها مسلكا متعيّنا وفق حكمة الله ومشيئته لعمارة هذا الكون.
أ) - الملائكة: وهم نموذج الطّهر والنّقاء، ومثال الطّاعة والإذعان لأمر الله وإجلال عظمته.
ب) - الشّياطين: وهم نموذج الخبث والكيد، ومثال التّمرّد والعصيان.
ج) - بنو ءدام: ذوو الطّبيعة المزدوجة بين الطّبيعة الملكية والطّبيعة الشّيطانية ينحاز لإحداهما بكسبه واختباره، وهو بذلك محطّ التّكليف من الله، يوفيه جزاءه يوم يرجع إليه قال تعالى في هذا المعنى:
أ) - ﴿اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:3).
(1) – التّحرير: ج08/ ص48 - 49.