نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١٠٦﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا نُوحاً اِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
استئناف مبتدأ بقسم محذوف دلّت عليه اللاّم مقرونة بعد التي تدلّ على التّحقيق. وفي إيراد هذه القصة وما يتلوها من القصص في بيان صحيح وسرد مستقيم ما يدلّ على صدق نبوءة رسول الله، وفيه تحدّ لأهل الكتاب المطّلعين على جوانب من تلك القصص بما ورد في كتبهم.
ويستفاد من التّفسير المنقول. بأن ظاهرة الشّرك ابتدعها قوم نوح، وقد طال الأمد بينهم وبين ذرية ءادم حدّد فترته بعض المؤرخين بعشرة قرون كانوا كلهم على الإسلام. إذ أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهم - ا أن قوم نوح هم الذين صوّروا بعض الصّالحين منهم، ثم وضعوا لهم الصّور والتّماثيل لإحياء ذكرهم والافتداء بهم ثم عبدوا صورهم وتماثيلهم. وقد تكررت قصة نوح في القرءان ثلاثا وأربعين مرّة وذكرت في السّورة التي سميّت باسمه بعض الأصنام التي كانوا يعبدونها فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾. ﴿وَقَدَ اَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ (نوح:23 - 24).
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ (﴾: ناداهم بصفة القومية مضافة إليه استجابثة لعاطفة القرابة، وبيانا للمقصد النّبيل في دعوتهم إلى الخير والصّلاح. أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، إذ ليس هناك من إلاه حقّ غيره. وقد أكّد النّفي "بمن" لإفادة العموم والاستغراق.
وعبارة: ﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ (﴾: هي مضمون الدّعوة التي تكرّرت على السّنة الرّسل، لأنها أساس العقيدة الصّحيحة التي دعت إليها الديان كلها لا تتبدّل ولا تتغيّر، وهي ملاك الأمر كله في استقامة حياة البشر وصمّام نجاتهم في الدّنيا والأخرى.