نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١٠٧﴿إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: والنّاصح الأمين هو الذي يبادل غيره السّرور والحزن ويقاسمهم الخوف والأمن. فقد أنذرهم مما يخافه هو في حالة العناد والتّكذيب. إذ جعل هذا الإخبار تعليلا لما أمرهم به من عبادة الله. وفيه دعوة إلى الإيمان باليوم الآخر الذي وصفه بأنه يوم عظيم. فكيف كان جوابهم لهذه الدّعوة الحارّة المخلصة.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾: كانت دعوة نوح عامّة إلى كافة قومه، ولكن الذين تولّوا الإجابة هم علية القوم وسادتهم، وهم الذين يتصدّرون المجامع ويحرصون على مقاماتهم أن ينازعهم فيها منازع. ولذا أعداء لكل تغيير يمسّ مصالحهم ويزحزحهم عن نفوذهم. اقترنت إجابتهم بالتّأكيد وهم يرمون الدّاعية بالضّلال بل يصوّرونه منغمسا فيه إلى الأذقان، بالغا الحدّ الأقصى فيه. وهكذا تنقلب الموازين وتتحوّل المفاهيم عند أهل النّفوس المريضة والقلوب المتحجّرة.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِّي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
تكرار النّداء "بيا قوم" للتذكير بعاطفة القرابة المقتضية للنصح الأمين، ثم لتعميم دعوته، وهو ينفي عن نفسه الضّلالة نفيا قاطعا. وذلك بتنكير كلمة: ﴿ضَلَالَةٌ﴾: في سياق النّفي وبالتّعبير بالباء: ﴿بِّي﴾: التي تدل على المصاحبة والملابسة، ثم رفع ذلك التّوهّم منهم بلفظ الاستدراك في قوله: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. إنها رسالة عظيمة في ما يدعو إليه، وتقتضى منه الإبلاغ والنّصح.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: