نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١٤٠ب) - عودهم إلى ملة الكفر، وإكرامهم على ذلك اعتقادا منهم أن شعيبا كان على ملتهم، إذ أن كونه مهيّأ من طرف العناية الإلاهية لأن يكون نبيئا لا يشارك قومه في ضلالاتهم، لا يستلزم أن يعلم ذلك منه قومه. لأن طهارة الأنبياء من الشّرك أمر باطني، وتركهم للمنكرات أمر سلبّي لا يشعر به النّاس.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾:؟؟ … استفهام إنكاريّ من شعيب أمام هذا العرض المجحف من المستكبرين. إنه الرّفض الجازم من صاحب الدّعوة أن يتنازل عن أمرها، والسّعي لتركيزها ولو تطلّب ذلك التّضحية بالهناء والاستقرار في الوطن، وبالسّكن النّفسّي في محيط الأسرة ذلك لأن العقيدة الرّاسخة لا تتزعزع أمام التّهديد والوعيد. كما لا يغويها بريق الإغراءات والوعود. فها هو ذا شعيب يعلنها رفضا قاطعا وأن ذلك اعتداء على حق الله بالكذب والافتراء فقال:
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً اِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّا أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾:
لم يكتف شعيبٌ بأسلوب الإنكار والتّعجّب مما عرض عليه قومه، بل ترقّى في الجواب، فبيّن استحالة عودِهم إلى الكفر، لأن العود إليه يستلزم الكذب على الله، وقد أرسله لنشر كلمة التّوحيد، فنجّاه ومن معه من وهدة الضّلال والكفر، والتّعبير بضمير المتكلمين هو على وجه التّغليب، لأن شعيبا لم يكن على ملتهم قط. وللزّيادة في تفظيع العود إلى ملة الكفر أكد نفيه بلام الجحود لنفي شأن الأنبياء والمؤمنين أن يفعلوا ذلك ولتيئيس الكافرين أن يطمعوا في ذلك فقال: