نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١٤٢﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً اِنَّكُمُ (إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾:
جاء هذا القول معطوفا على قال الملأ الأول، إذ الرّاجح أن القائلين هنا هم القائلون هناك. وكانوا بكلا القولين ضالّين مضلّين. ومن الإمعان في الكفر والطّاغوت أن يحاول المناوئون لرسل الله وللدعوات الإصلاحية صدّ النّاس عنها إما قهرا أو دعاية لتوهين صفّ الأتباع، فهؤلاء الطّغاة يحذّرون قومهم من أتباع شعيب، إذ يخشون عليهم من قوة حجته وصدق بيانه، فلجأوا إلى التّهديد مرة أخرى يقلب الحقائق ومحاولة التّأثير على من بقي على الكفر بأنهم إن اتبعوا شعيبا كانوا من الخاسرين، فأكّدوا قولتهم هذه بمؤكدات عدة ليُرسخوا مضمونها في نفوس المستضعفين من القوم، ولم يذكروا متعلق الخسارة لتعمّ كل الأنواع التي يتحاشاها النّاس في أموالهم وأهليهم وشرفهم.
أمَا وقد بلغ التّحدّي منتهاه، فقد حلّ بهم عذاب الله. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: كان لهم نفس المصير الذي كان لقوم صالح - عليه السلام - فالجثوم على الرّكب هو الجزاء الوفاق على الطّغيان والاستكبار. فقد انتهى كل شيء وأصبح القوم في خبر كان فمن يا ترى هو الخاسر؟؟ …
﴿الذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾:
بيان مستأنف لنقض ما قاله الملأ لشعيب في المرة الأولى والثّانية. فمقابل التّهديد بإخراج شعيب ونفيه من بلده كان انتهاؤهم وهلاكهم بتدمير قراهم التي كانوا يظنون أنهم متمكنون منها، حتى كأنهم لم يعمروها ولم يقيموا فيها تباتا. وفي مقابل ادّعائهم الخسران لمن يتبع شعيبا جاء الحكم عليهم بالخسران وحصره فيهم، إذ جنوا على أنفسهم في ما أصابهم من الهلاك. بينما الذين اتبعوا شعيبا كانوا هم الفائزين.