نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩لقد بلغ الحسد باليهود مبلغا تجاوز كلّ حدّ، ويدلّ على ذلك هذه القصّة التي لا يقبلها العقل السليم ولا الإيمان القويم، إذ ادّعوا عداوة جبريل -صاحب الرسول- لأنه ينزل بالهلاك والعذاب، ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا به لأنه ينزل بالرخاء والخير والخصب، وهل جبريل بشر مثلهم فيعاتب على ما يفعل؟، وهل يقوم بمهمته من إنزال الوحي على الرسل بمحض إرادته؟.
جاء الرد الإلهي بالإجابة المفحمة فقال تعالى: (فَإِنَّهُ، نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُومِنِينَ)، فما أبلغ جواب الشرط بما يفيده من شأن جبريل عليه السلام في مهمة النزول بالوحي من الله للرسل. والضمير في قوله (نَزَّلَهُ) يراد به القرآن، ويستفاد ذلك ممّا تقدم ذكره في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ، ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ)، فإذا كان شأن جبريل هو النزول بوحي الله -وهو يشمل التوراة وغيرها- وقد آمنتم بأن الوحي من عند الله، فإذاً من كان عدوًّا لجبريل فإنه عدوّ لله.
ويلاحظ الالتفات عن التكلم إلى الخطاب في قوله تعالى: (عَلَى قَلْبِكَ) بدلا من قوله: "على قلبي" تعظيما لمقام الرسول، يؤيده التقييد بقوله: (بِإِذْنِ اللهِ) لا افتياتاً ولا كذبا على الله بإتيانه من عند نفسه، كما يدّعيه اليهود، فلا يجوز أن تصدّ عداوتهم لجبريل عن الإيمان بك ما داموا يؤمنون بأن الوحي من عند الله، وفي معرض الرّد على شبهة اليهود في إعراضهم عن رسول الله لكون جبريل عدوّا لهم أثبت الله خمس خصال كلّها خير وبركة: