نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢١٣بعد أن أثبت الله تعالى منزلة القرآن ومقامه في ما أُنزل من عند الله، وأنه في بيانه ووضوحه لا يحتاج إلى ما يدلّ على صدقه، لأنه كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه كما قال تعالى لرسوله في سورة النساء: (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) … (النساء:174)، بعد ذلك وصف الله كل من حاد عن هدي القرآن بأنه فاسق عن منهج الله، وجيء بصيغة الحصر وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والتجدّد، وأن ذلك هو شأن اليهود من الكفر بالله ونقض العهود، وقد نقلت الروايات عن أحد شيوخهم -وهو مالك بن الصيفي- أنه قال: " والله ما عهد إلينا في محمد عهد في التوراة"، فأنزل الله تعالى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يُومِنُونَ):
الهمزة للاستفهام التوبيخي، والمراد بالعهد هو عهد التوراة، كما تقدم تفصيل ذلك في الآيات السابقة وقد تكرر نقض عهدهم مع أنبيائهم، ومن جملة تلك العهود أن يؤمنوا بمحمد الذي ثبتت بشارة بعثته وبيان أوصافه في نصوص كتبهم المقدسة، أو هو عهدهم للنبي على أن لا يعينوا عليه المشركين كما فعل مع بني قريظة وبني النضير، ولذا قال الله تعالى: (نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمْ).
ومن آداب الدعوة في القرآن الكريم أنه لا يعمّم الحكم على كل أفراد طائفة من الناس احتراسا ممن لم يفعل ذلك، ولاجتناب توهّم القلة في الفريق المذكور جاء الإضراب عن ذلك بقوله: (بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يُومِنُونَ)، وقد يراد بالكثرة معنى الكلّ، فحكم عليهم بعدم الإيمان وهو واقعهم الغالب، أو يراد بالكثرة ظاهر لفظها، وأن القليل منهم آمنوا ولم ينقضوا عهدهم.