نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ٢٢٤وقد حصر موسى الولاية في الله –وهو ما يقتضيه الإيمان الصّحيح- لأن المومن لا يتولّى غير الله ولا يستنصر بغيره قال تعالى في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ (257). وبعد هذا التّمجيد لله فرّع عن الولاية طلبه المغفرة من الله مقدمة عن طلب الرّحمة منه تعالى. لأن مغفرة الله، عند اقتراف الذّنوب أجدر بطلب العبد، من الرّحمة. ذلك لأن الذّنوب والآثام مدعاة لغضب الله وسخطه، وحين يستجيب المولى بالعفو والمغفرة، فإن رحمته بعبده تستتبع ذلك بفضله وإحسانه. ثم أكد معنى المغفرة بقوله: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾. وهو تعالى يقول في سورة طه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (82). ثم أضاف موسى في دعائه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾: هذا الدّعاء شبيه بما علّمنا الله تعالى أن ندعوه به في سورة البقرة بعد بيان بعض أحكام الحجّ إذ قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ’ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (200 - 202). ويلاحظ أن موسى - عليه السلام - اختار أن يقول لربّه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ﴾: وبين التّعبيرين: "الإيتاء والكتابة" فرق -لا محالة- وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق بين المعنيين: يقول -رحمه الله-: ﴿وَاكْتُبْ﴾: مستعار لمعنى العطاء المحقق حصوله، المجدّد مرة بعد مرة.