نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

اختلف العلماء في بيان الحكمة من تصدّي الملكين أو الرّجلين لهذا الأمر، وقد علما أنّه مضرّة وأنّه فتنة كما ينبّهان إلى ذلك كلّ متعلّم عنهما، ولعلّ التّعليل الأدقّ هو ما أورده العلاّمة ابن عاشور -رحمه الله- في تحريره وتنويره إذ قال: "وعندي أن ليس المراد بالإنزال إنزال السّحر إذ السّحر موجود من قبل، ولكنّه إنزال الأمر للملَِكين، أو إنزال الوحي والإلهام للملِكين، بأن يتصدّيا لبثّ خبايا السّحر بين المتعلّمين ليبطل انفراد شرذمة بعلمه … " ثمّ يقول: "إنّ الحكمة من تعميم تعليمه أنّ السّحرة ببابل كانوا اتّخذوا السّحر وسيلة لتسخير العامّة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم، ثمّ تطلّعوا منه إلى تأسيس عبادة الأصنام والكواكب، فحدث فساد عظيم وعمّت الضّلالة، فأراد الله على معتاد حكمته إنقاذ الخلق من ذلك، فأرسل أو أوحى أو ألهم هاروت وماروت أن يكشفا دقائق هذا الفنّ للنّاس حتّى يشترك الناس كلّهم في ذلك، فيعلموا أنّ السّحرة ليسوا على ذلك، ويرجع النّاس إلى إصلاح الحال".(1)

قلت: وشبيه بذلك ما فُتِن النّاس به في هذا العصر من أسرار التّكنولوجيا وعلوم الذّرّة وعلوم الفضاء، حتّى حدث ذلك البون الشّاسع بين الدّول المتقدّمة والدّول المتخلّفة، إذ أصبحت تلك الوسائل العلمية حكراً على الأولى تمنع تصديرها إلى الخارج لتبقى في موقف الهيمنة والسّيطرة على الثّانية، تستغلّ خيراتها وتنهب ثرواتها، وتُبقيها دوماً في التّبعيّة والتّخلّف، ولكن الله الحكيم في تدبير شؤون خلقه يقيّض لهذه الأمم المغلوبة على أمرها من يكون بمثابة الملكين في "بابل" بما يؤتيهم الله من الإلهام والذّكاء، فيرفعون من شان قومهم ويقضون على الانتهازيين والمحتكرين، وما ذلك على الله بعزيز.

(1) - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 1: 640.

٢٢٢ / ٦٬٢٠١