نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٩

وجملة: (عِندَ اللهِ) معناه: في تقديره التّشريعي لمختلف الأحكام التي تنضبط بتلك المواقيت، وقيل: في حكمه التّكويني، ولذلك ارتبط ذكر عدد الأشهر بخلق السّماوات والأرض لما لهما في النّظام الشّمسي من العلاقة في ذلك الضّبط كما قال تعالى في سورة يونس: (هُوَ الذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ’ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقّ) (5). وكان العرب يعرفون هذه الأشهر، كما يعرفون الأشهر الحرم، فهي أربعة عندهم، ولكنهم يختلفون في تحديد الرّابع الفرد ما بين رجب ورمضان. غير أن الرّسول بيّن معنى الآية في حجة الوداع فذكر الثلاثة التي هي سرد: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم. وذكر الواحد الفرد الذي هو رجب.

و"الحُرم" جمع حرام، أي هي ذات حرمة وشأن تمتاز بها عن بقية الأشهر. والحكمة في حرمة هذه الأشهر وجعلها مواقيت للعبادة هي لضمان الوقت الكافي لأداء مناسك الحج زمانا، مع ضمان حرمة المكان بحرام مكّة، ثم إن الشّهور القمرية تدور في جميع الفصول، فيتنوّع بذلك مناخ العبادة ما بين الحرّ والبرد والاعتدال.

وقوله تعالى: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)، الإشارة إلى ما ذكر من عدة الشّهور وحرمة الأشهر الحرم، بأن ذلك التّنظيم والتّقسيم هو الدّين الصّحيح المستقيم على سنن الله في أصل الخلقة، وهو ما ثبت قوليا وعمليا في دين إبراهيم وإسماعيل، فلا يجوز فيه تبديل ولا تغيير. وقد حرّم الله فيهنّ جميع أنواع الظّلم، والضّمير: (فِيهِنَّ) يرجع إلى أقرب مذكور، وهو الأشهر الحرم. وكانت العرب تحترم هذه الأشهر فلا تأخذ بثاراتها فيهن. وقيل: إن الضّمير يرجع لكامل الشّهور الإثني عشر ويدخل فيها بالأَوْلى الأشهر الحرم.

٢٬٢٣٥ / ٦٬٢٠١