نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٤واقتضت الحكمة أن يظهر الرّسول شأن هذه الغزوة فلم يُورِ عنها كما كان يفعل في سائر الغزوات، حتى يستعدّ لها المجاهدون استعدادا خاصّا لبُعْد شُقَّتِها وثقل مؤونتها، الأمر الذي محّص المجتمع المسلم، ليفتضح من كان فيه رياء ونفاق، ويتطهّر الصّف الإسلامّي من التّصدّع والشقاق، فكان هذا النّداء الإلهي: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمُ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اِثَّاقَلْتُمُ إِلَى الاَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ).
النّداء للمؤمنين ابتداء يحرّضهم الله فيه على الجهاد في سبيل الله، والمناسبة بينه وبين ما تقدم وجيهة، إذ الحديث كان في قتال المشركين ومن كفر من أهل الكتاب، وهنا يذكر قتال الرّوم وأتباعهم ويبّين حقيقة أحوالهم. ونظرا لما وقع فيه بعض المؤمنين من التّثاقل والكره للقتال بسبب ما ذكرناه اقتضت التّربية الإلهية لهم أن يخاطبوا بأسلوب اللّوم والعتاب: (مَا لَكُم)، بمعنى أيّ شيء يمنعكم وقد استنفركم الرّسول لقتال عدوّكم.
ومعنى: (اِثَّاقَلْتُمُ إِلَى الاَرْضِ) أي ركنتم إلى الدّنيا بالكسل والرّاحة، وبميلكم إلى جني الثّمار وتفيّء الظّلال بينما الإيمان الصّحيح يقتضي منكم الطّاعة والانقياد لما يأمركم به الله ورسوله. وما أبلغ التّعبير عن الكسل والرّاحة بثقلة الجسد إلى الأرض بكلّ رواسبه المادية وميوله الشّهوانية، لأن الجهاد في سبيل الله سموّ ورغبة في عليا المراتب من العزة والكرامة، وانبعاث إلى الحركية والنّشاط تستنفد فيه كلّ الطّاقات الحيوية لدحر العدوّ وإحراز النّصر. وقد تكرّر أسلوب التّقريع بقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ).