نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٠يناسب لحال المنافقين أن يتحدث عنهم بضمير الغيبة لا بضمير الخطاب كما كان الحديث مع المؤمنين الصّادقين، والنّفاق هو شرّ ما تبتلى به الدّعوات الصّالحة، وقد تنزّل من آيات القرآن ما فيه الرّدع الحاسم لهذه الفئة من النّاس، وأعظمها فضحا لدسائسهم وبيانا لأحوالهم هو ما تنزّل في هذه السّورة بدءا بهذه الآيات، إذ كانت وقائع غزوة "تبوك" بمثابة المعيار لخبايا النّفوس وطبائع البشر في التّعامل مع الأحداث ومستجدّاتها، والله أعلم بمن خلق، فهو تعالى يبيّن للرسول سبب تثاقل هؤلاء، إنه ضعف الهمّة وخور العزيمة عند الضّعاف المهازيل من النّاس، إذ يميلون إلى السّهل الحقير من متاع الدّنيا، ويسلكون إليه الطّريق القريب، ولكنك -أيها الرّسول- قد دعوتهم إلى حمل ثقيل وطريق طويل، فأنّى لهم أن يستجيبوا لك وهم المترفون القاعدون؟، وقديما قال الشّاعر العربيّ:
خلق الله للحروب رجالا … ورجالا لقصعة من ثريد
ولقد علم الله أحوالهم حاضرا ومستقبلا بأنهم سوف يتذرّعون بالأيمان الكاذبة عند رجوعكم من الغزوة، فيقولون بأنهم قعدوا مضطرين، وتخلّفوا متحسّرين، لأنهم لا يملكون القدرة على الخروج.
والأيمان الكاذبة خسّة ومهلكة لصاحبها لأن حقيقته -وإن أخفاها عن النّاس- ستنكشف يوما ما، ولفداحة الأضرار النّاجمة عن الأيمان الفاجرة عبّر عنها بـ"الإهلاك"، وهو الموت المعنويّ في الدّنيا، ثم الخزي والعذاب في الآخرة. ذلك بالنّسبة إلى البشر، وأما بالنّسبة إلى الله فهو عليم بكذبهم ابتداء لا تخفى عنه خافية، فهو -لا محالة- يبدي لرسوله ما كانوا يسرّون.
وقد تصرّف الرّسول معهم وفق ظواهرهم كما توصّل إليه اجتهاده فأذن لكثير منهم بالتّخلف، ولكن الله تعالى عاتبه على ذلك التّسرّع في الإذن فقال: (عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).