نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٥٤قلت: إن حالة الشّكّ لا تكون على درجة واحدة في نفوس المنافقين، فتارة تميل في بعضهم إلى التّصديق وفي البعض الآخر إلى التّكذيب، كما أن تجربتهم مع رسول الله في صدقه وأمانته في كلّ ما يخبر به من الأحوال التي كانوا يضمرونها، وإن في غير مجال الوحي، كلّ ذلك يجعلهم يبدون ذلك الحذر، وهو أمر طبيعي في الإنسان. والأظهر في معاد الضّميرين في: "عَلَيْهِمْ" وفي: "تُنَبِّئُهُم" أنه للمنافقين وأن تكون "عَلَى" للتعليل، أي لأجل أحوالهم.
غير أن للمفسرين احتمالات أخرى لعود الضّميرين، منها أن "التّاء" في: "تُنَبِّئُهُم" لخطاب الرّسول، كما يجوز أن يعود الضّميران للمسلمين، وليس في ذلك ما ينافي الأسلوب البلاغي.
جاء الجواب بالتّهديد الإلهي بحصول الأمر المحذور: (قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ)، والتّعبير بالإخراج يكون للشيء الخفيّ أو المعدوم مما يدل على قدرة الله في كشف السّرائر، وهو ما يخشاه المنافقون. قال تعالى في هذا المعنى: (أَمْ حَسِبَ الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ اَن لَّنْ يُّخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ) (محمد:29).
وقد تعدّدت الرّوايات في ذكر أسباب نزول هذه الآيات، وأن مساءلة الرّسول عن أقوال المنافقين هذه وهزئهم وتلافيق اعتذاراتهم كان أغلبها في غزوة "تبوك"، إذ اعتبروها من حديث الرّكب، للاستجمام والرّاحة من عناء السّفر، وعندما سألهم الرّسول عن مناجاتهم أجابوه بما حكى الله عنهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ).
وعند الإمام ابن عاشور أن الآية نزلت في ما هو أعمّ من حديث غزوة "تبوك" مما يسألون عنه في المستقبل، إخبار بما سيجيبون. فهم يسألون عما يتحدثون في مجالسهم ونواديهم، وإنه حديث الخوض في الباطل واللّغو من الكلام، ولذلك كان الجواب بقوله: (قُلَ اَبِاللهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ)؟.