نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٦٨

جاء الأمر الإلهي بالجهاد بصفة مطلقة أي في حقيقته من الجهاد بالسّيف في مواجهة الأعداء، وفي مجازه في الجهاد المعنويّ، من جهاد النّفس والشّيطان، والجهاد بالدّعوة واللّسان. ولا شكّ أن الأمر يشمل النّوعين، وأمّا بيان كيفية التّطبيق فهو يحتاج إلى أدلّة أخرى.

وللمفسّرين والأئمة تأويلات وتفصيلات لبيان ذلك، ومن التفسير المأثور ما روي عن ابن عبّاس في تفسير هذه الآية قال: جهاد الكفار بالسّيف، وجهاد المنافقين باللّسان. وعن ابن مسعود قال: "لمّا نزلت: (يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) أمر رسول الله أن يجاهد بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهرّ".

قلت: كان الرّسول في أوّل أمره بالمدينة المنوّرة يطبّق سياسة اللّين وأخذ النّاس على ظواهرهم، حفاظا على عهد الإسلام، وترويضا للشاكّين في أمانه، واستئناسا وتبشيرا للبعداء عن المدينة، ممن لا يعرف طبيعة النّفاق، وقد جرّأت تلك السّياسة كثيرا من المنافقين فتمادوا في غيّهم وعنادهم كما أوضح الله ذلك من قبل. وفي هذا الإرشاد بشيء من الغلظة والقسوة عليهم تربية ودرء لهم عن تجاوز الحدود في التّحديّ والتّمرّد، يطبّق الرّسول هذه الخطة الجديدة التي أملتها الظّروف كما تقدم لتصبح أساسا لسياسته المنتهجة، وقد تقوّى الإسلام، وذلك على الرّغم مما جبل عليه من الليّن والرّحمة.

(وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبيسَ الْمَصِيرُ): تذييل مناسب لمقام التّهديد والوعيد.

ولإسناد الأمر الإلهي أعقبه بذكر الأسباب الدّاعية إلى هذه السّياسة الجديدة فقال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلآَّ أَنَ اَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ’ مِن فَضْلِهِ).

٢٬٢٩٤ / ٦٬٢٠١