نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٦٧بعد المقارنة البديعة بين صفات المؤمنين وصفات المنافقين والمقابلة بين جزاء الفريقين، وعلى ذكر العذاب الدّنيويّ والأخرويّ للمنافقين، أمر الله نبيّه بجهادهم ولزّهم في قرن واحد مع الكفار، وأمره بالغلظة عليهم في المعاملة بعد أن أنذرهم وأمهلهم مدّة من الزّمن فلم يرعووا عن غيّهم. وقد انكشفت جرائرهم ودسائسهم سيما في غزوة "تبوك"، وأصبحوا بمثابة الكفار في وجوب قتالهم فقال تعالى: يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبيسَ الْمَصِيرُ).
لقد تعدّدت الرّوايات في التّفسير النّقلي لهذه الآيات منها الصّحيح والضّعيف، تبيّن بعض تلك الأقوال والأفعال التي حاول بها المنافقون النّيل من سمعة رسول أو الفتك به، وكانت غزوة "تبوك" -وبعضهم شارك فيها- كانت المحكّ الكاشف لتلك الدّسائس. ويبدو أن هذا الإرشاد الإلهي لرسوله بتغيير سياسته في معاملة هؤلاء اقتضته الظّروف الموضوعية التي تعيشها الجماعة الإسلامية في السّنة العاشرة، ورسول الله قاب قوسين أو أدنى من الالتحاق بالرّفيق الأعلى، وهناك مسلمة الفتح في مكة والقبائل الأخرى في أطراف الجزيرة، وربما تجرّأ الكثير ممن دخلوا في الإسلام ولمّا يرسخ الإيمان في قلوبهم، فيركبون موجة النّفاق حفاظا على مصالحهم. وفي ذلك كلّ الخطر على الصّفّ الإسلاميّ، سيما ما كان يتوقع من الهزات العنيفة بعد وفاة رسول الله، ولا أدلّ على ذلك من حروب الرّدة في زمن الخليفة أبي بكر رضي الله عنه. فإذا كانت المدينة المنورة هي عاصمة الدّولة الإسلامية وبالتّالي هي القلب النّابض في جسد الأمة يصلح بصلاحه ويفسد بفساده كان هذا النّهج الجديد في السّياسة والمعاملة هو الحزم والرّأي السّديد، حتى يسدّ الرّسول وخلفاؤه الطّريق أمام دعاة الفتنة، حين يعلمون بالجهاد والغلظة المأمور بهما لكل من تسوّل له نفسه بالنّيل من أمن الجماعة واستقرارها.