نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٨٤ثم علّل الله ذلك النّهي بقوله: (إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ): وقد تقدم تفسير مثله. ومعنى الجملة الحالية: (وَهُمْ فَاسِقُونَ) أي سيموتون وهم متلبّسون بكفرهم. والكفر هو سبب حرمانهم من تلك الحقوق التي ذكرها الله تعالى، سواء لأحيائهم أو موتاهم، وبالتّالي فهو دليل على شقاوتهم في الدّنيا والآخرة. وقد يغالط بعض النّاس بمظاهر ترفهم في الدّنيا بوفرة أموالهم وأولادهم، فيظن ذلك أنه دليل على الحظ السّعيد والتّوفيق والنّجاح، فبيّن الله تعالى خطأ ذلك الظّن، ونهى المسلمين من خلال الخطاب لرسول الله عن الإعجاب بتلك الأموال والأولاد فقال عزّ من قائل: (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُّعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).
وقد سبق نظير هذه الآية عند قوله تعالى في ذكر شحّهم بالإنفاق: (وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التّوبة:54). فأعيدت الآية هنا بغالب ألفاظها، والاختلاف في المبنى لا يكون إلا لنكت ومعان حصرها اللّغويّون والمفسّرون في ما يلي:
أ) - جاء قوله في الآية الأولى بـ"الفاء": (فَلاَ تُعْجِبْكَ)، أما في هذه فقال تعالى: (وَلاَ تُعْجِبْكَ) بالواو. والتّعقيب بـ"الفاء" في الأولى لوصف المنافقين قبلها بكونهم كارهين للإنفاق، ففرع الله عنه النّهي عن ذلك الإعجاب بالأولاد والأموال. وأما في الآية الثّانية فلا تعلّق للكلام بما قبله.
ب) - قال تعالى في الأولى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم): وحذفت "لاَ" في الثّانية، لأن التّرتيب في الأولى بدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف، أي أنه كان إعجابهم بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم، وفي الثّانية لا مراعاة لذلك التّفاوت عندهم.