نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٨٧

ثم أبان الله مجمل ما استأذنوا فيه فقال حكاية عنهم: (ذَرْنَا نَكُن مَعَ الْقَاعِدِينَ)، ورضاهم بأن يكونوا مع القاعدين يدلّ على مدى خورهم وحرصهم على متع الحياة، وحطّة نفوسهم في أن يكونوا في عداد النّساء والصّبيان والعجزة. ونظير هذا المعنى في سورة "القتال" قوله تعالى: (وَيَقُولُ الذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ، طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الاَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ) (محمد:20 - 21).

ومثل هذا الوضع يدعو إلى التّعجيب والتّنديد لما فيه من الذّلة والهوان لأنفسهم: فقال تعالى في استئناف: (رَضُواْ بِأَنْ يَّكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ)، والتّعبير بـ"الرّضى" ليدلّ على شدة رغبتهم في ذلك فهم بمنزلة أولئك النّساء والصّبيان والعجزة، واختيار وصف "الْخَوَالِف" للذم والتّعيير، سيما إذا علمنا أن تخلّف هؤلاء كان عن جبن وخوف وتقصير، بينما تخلّف أولئك العجزة كان عن قصور.

ثم علّل الله ذلك الموقف منهم بقوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، لأن الطّبع على القلوب معناه حصول الدّاعية الرّاسخة القوية للكفر وعدم قبول الهدى، وفرّع على ذلك انعدام علمهم بأسرار الجهاد وما فيه من خير وصلاح للفرد وللأمّة.

ولما كان أمر الرّسول والمؤمنين على النّقيض من حال المنافقين افتتح الكلام التّالي بحرف الاستدراك فقال: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ’ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

٢٬٣١٣ / ٦٬٢٠١