نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١١٠اختلف المفسرون في تعيين المراد بـ"المرتين"، إذ صرّح الله معه بعذاب الآخرة فتعيّن أن يكون العذاب مرّتين في الدّنيا، ولعلّ أحسن ما نقل عن المفسّرين القدامى أنه يكون مرة بالفضيحة، ومرّة بعذاب الموت أو بعذاب القبر. وللإمام ابن عاشور رأي سديد يتماشى والتّعبير العربيّ الفصيح إذ قال: "والظّاهر عندي أن العدد مستعمل لمجرّد قصد التّكرير المفيد للتأكيد كقوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) (الملك:4). أي تأمل تأمّلا متكرّرا. ومنه قول العرب: "لبيك وسعديك". فاسم التثنية نائب مناب إعادة اللّفظ، والمعنى: سنعذبهم عذابا شديدا متكررا مضاعفا، كقوله تعالى: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) (الأحزاب:30)."(1)
(ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ): هو عذاب جهنم بعد الحشر والحساب. ولعّل العذاب الأول المسند إليه تعالى: (سَنُعَذِّبُهُم) هو العذاب الخاص بهذه الفئة من المنافقين المردة، والثّاني يشمل عامّة المنافقين وغيرهم في الجزاء الإلهي العادل لكافة خلقه يوم القيامة، وعظمته بالنّسبة للمنافقين أن يكونوا في الدّرك الأسفل من النّار كما توعّدهم الله بذلك في سورة النّساء، والله أعلم.
ثم أضاف الله نوعا آخر معطوفا على من تقدم فقال: (وَءَاخَرُونَ اَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَّتُوبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
ويحتمل العطف على الصّنف السّابق أن يكون هذا النّوع من الذين تابوا وحسنت توبتهم أو هم من المسلمين المتخلفين عن غزوة "تبوك" طلبا للرّاحة والكسل، لا عن كفر ولا نفاق، هؤلاء وصفهم الله بوصفين: أنهم:
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، /20.