نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٣١ثم تتابعت الأوصاف المشرّفة لهؤلاء المؤمنين، وهي أوصاف تنمّ عن المشاعر الصّادقة والأعمال الصّالحة المجسّدة لتلك المشاعر، وهي أوصاف تسعة تمثل قمة الإيمان في جميع شعبه: من أعلاها قول "لا إله إلا الله" إلى أدناها بإماطة الأذى من الطّريق، وكلّها صفات تتكامل في ذات المؤمن لتجعل منه ذلك العملاق القويّ، والمندفع لنصرة الحق وإقامة العدل وفق هدي الله ورسوله. في جهاد وكفاح لا يقصد من ورائها المنافع العاجلة أو المكاسب الدّنيئة فقال جلّ من قائل: (التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّآئِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ).
وردت الصّفات كلّها على صيغة اسم الفاعل وقطعت عن الوصفية لما قبلها في قوله تعالى: (اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ)، فكانت إخبارا لمبتدأ محذوف للاهتمام بها، وترتيبها ليس عفويا، إذ بدأ الله بصفة التّخلية من الذنوب أي بالتّوبة فقال:
أ) - (التَّآئِبُونَ): والتّوبة محو للصفحة الماضية بالنّدم وعودة إلى الله في المستقبل ما دامت للمؤمن نسخة في العمر.
ب) - (الْعَابِدُونَ): بكل ما في العبادة من إخلاص التّوجّه إلى الله وحده، والعبادة بمعناها الشّامل. عبادات ومعاملات وأخلاقا.
ج) - (الْحَامِدُونَ): لأنعم الله في الشّراء والضّراء، كما وصف الرّسول بذلك عندما قال: «المؤمن بخير على كل حال، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه شرّ صبر، فهو بخير على كل حال، وليس ذلك لغير المؤمن».(1) أو كما قال.
(1) 1 - روى نحوه مسلم من حديث صهيب، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كلّه خير، رقم 2999.