نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

إنّه الحسد البغيض والحقد الدّفين الذي يُضمره الكثير من أهل الكتاب على المسلمين، فهم لا يكتفون بالكفر والكيد، بل يمعنون في الإذاية، ويتفنّنون في حبك الدّسائس مدفوعين بالحسد، متمنّين أن يرتدّ المسلمون عن دينهم، وقد قال ابن عبّاس في سبب النّزول أنّ الآية نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أَُحدٍٍِ: ألم تروا إلى ما أصابكم؟، ولو كنتم على الحقّ ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، والحسود لا يفوّت فرصة إلاّ وابتهلها لتنغيص العيش على المحسود.

واليهود يتظاهرون في أمثال هذه المواقف بأنهم يريدون النّصح للمسلمين، لعلّ ضعفاء الإيمان منهم يرجعون عن دينهم، فجاءت التّنبيهات الإلهية لتبيّن أنّ أهل الكتاب لا يُرجى منهم نصح أمين في ما يقولون، وإنّما هو الغشّ والحسد المتمكّن في نفوسهم الخبيثة، فقال تعالى: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)، أي أنّ نفوسهم الخبيثة هي مصدر ذلك الحسد، لأنّهم يتيقّنون بحقّية ما جاء به رسول الله، سيما علماؤهم وأحبارهم، ولعلّهم المقصودون بقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ)، ومنهم حُيَي بن أخطب، وأبو ياسر، وفنحاص بن عازوراء.

وفي هذا الموقف الذي انكشفت فيه للمسلمين حقيقة أهل الكتاب، كيف يواجهونها وهم في المراحل الأولى من تأسيس الدّولة الإسلامية، ورسول الله لم يُؤمر بعدُ بالمواجهة العنيفة.

وهنا يأتي أمر الله للمؤمنين أن يقابلوا ذلك بما يليق بسمعتهم من مكارم الأخلاق وعلوّ الهمّة، فقال جلّ من قائل: (فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَقِيمُواْ الصَّلَواةَ وَ ءَاتُواْ الزَّكَواةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

٢٣٦ / ٦٬٢٠١