نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ١٥٠

في غمرة التّحريض على الجهاد في سبيل الله والتّنديد على المتخلفين عن رسول الله فيه أصبح المؤمنون يعتقدون أنهم جميعا معنيون بالخروج إلى الجهاد، وأن لا مندوحة لأحدهم في التّخلّف، فنتج عن ذلك بقاء الرّسول وحده في المدينة عندما يبعث سرية ولا يخرج معها، إذ ينفر المسلمون جميعا إلى الغزو، ولا يبقى حول الرّسول من يتلقى عنه أحكام الشّريعة، فنزلت هذه الآية لتضع الخطة السّوية في توزيع مسؤولية الجهاد بشقيه جهاد السّيف والسّنان، وجهاد العلم والبيان. فقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً).

العطف في الجملة ناشئ عن مجموع الكلام السّابق في التّحريض على الجهاد والتّنديد بالتّخلّف، إذ بيّن الله فيها كيف يجب أن تتوزّع المسؤولية بين المؤمنين، فتخرج طائفة منهم إلى الجهاد لدرء الكفر ونشر الإسلام، وتبقى طائفة أخرى في خدمة الرّسول والتّلقّي عنه بما يخدم مصالح الدّين بتوسيع سلطانه وتركيز نفوذه في مشارق الأرض ومغاربها بالغزو والجهاد، وكذا بنشر تعاليمه وآدابه بوجود العلماء والفقهاء، وكلاهما فرض كفائي إذا قام به البعض أجزى عن الباقين. وذلك في الحالات العادية حين يستقرّ أمر الإسلام، ولم تدع الحاجة إلى النّفير العامّ حيث يصبح الخروج العامّ فرضا عينيا على كل قادر على حمل السّلاح.

وقد اعتبر المولى تبارك وتعالى كلا الأمرين نفيرا إذ عبّر بصيغته في الحالتين، فقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً) أي ليس من شأنهم أن يخرجوا كلّهم إلى الجهاد، ويتركوا بذلك فراغا في مجال التّفقه في الدّين عن رسول الله، أي يجب أن يصير المؤمنون طائفتين: تنفر طائفة إلى الغزو، وتبقى طائفة للتفقه في الدّين. وكل طائفة تنوب عن أختها في المهمّة فتتكاملان في تحمّل مسؤولية الدّين: جهادا وتفقها فيه.

٢٬٣٧٦ / ٦٬٢٠١