نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ١٥٤

لقد انطلقت الدّعوة الإسلامية برعاية الله وإرشاده متدّرجة من مكّة المكرمّة إلى المدينة المنوّرة، ثم انزاحت دائرتها إلى كلّ أرجاء الجزيرة العربية بعد فتح مكة، وصفيت جيوب الكفر والنّفاق، فقرّت عين الرّسول وصحابته بنصر الله لهم، إذ دان لهم الأقربون من قومهم فأصبحت الجزيرة مسلمة، أخذت دولتها النّاشئة تتركّز في المدينة المنوّرة، فإذا كانت حدودها الجنوبية والشّرقية والغربية مأمونة نسبيا بمياه المحيطات والبحار، فإن الحدود الشّمالية المتاخمة للشام بها أقوام، تحت حكم الرّوم يساعدون دولتهم لمناوشة المسلمين في عقر ديارهم. وما غزوة "تبوك" في مقصدها الإستراتيجي من طرف الرّسول إلا تطبيق للقاعدة الحربية التي تقول: "أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم على العدوّ في عقر داره"، إذ زرعت الرّعّب في صفوف الرّوم وأشياعهم من نصارى العرب، والله تعالى يدعو المؤمنين إلى مواصلة القتال والغزو لبلاد الكفر المجاورة ويأمرهم بالغلظة عليهم حتى يرتدعوا فقال جلّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ الذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).

والآية في إرشادها تضع الخطة السّياسية والحربية للمؤمنين تجاه أعدائهم، وتوجيه الدّعوة إليهم دون النّبي عليه السلام كما سبق ذلك خلال السّورة يراه الإمام ابن عاشور وبعض المفسّرين إيماء بأنه عليه السلام لا يغزو بعد ذلك، وأنه قد اقترب أجله الشّريف، وأن في قوله تعالى بعد ذلك: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فيه تسلية للمؤمنين بفقد نبيّهم".(1) وهو ملحظ دقيق، وقد وعى الصّحابة هذا الإرشاد الإلهي فتوجهت عنايتهم بعد وفاة الرّسول إلى الفتوحات الكبرى في الشّام والعراق ومصر ثم إلى شمال إفريقيا.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، /63.

٢٬٣٨٠ / ٦٬٢٠١