نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ١٦٦

أخبر الله عن اسم الإشارة: "تِلْكَ" بقوله: (ءََايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، فالكتاب ظرف للآيات المشار إليها، وإضافة الآيات إليه من الإضافة البيانية، والكتاب هو القرآن و"أل" فيه للعهد، والمراد أن الآيات المشار إليها في هذه السّورة هي آيات الكتاب الحكيم الذي تحدّاكم أيّها البلغاء فعجزتم عن الإتيان بسورة من مثله. ووصفه بـ"الحكيم" يتناول الاحتمالات المتقدّمة في معناه، وأرجحها أنه ذو حكمة لاشتماله على الحق والعدل، لأن الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعلم. وهو وصف يدل على كمال القرآن في إعجازه مبنى ومعنى.

(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً اَنَ اَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمُ أَنَ اَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ):

الهمزة للاستفهام الإنكاري، دعا إليه استبعاد النّاس أن يتنزّل الوحي على رجل مثلهم جهلا وتعنّتا، لأنّ في إثبات الحكمة للكتاب المنزل شبهة طالما ردّدها الكفار والمشركون قديما وحديثا، إذ هم يستكثرون على بشر مثلهم أن يتنزل عليهم الوحي من السّماء. ولطالما تعرّض القرآن لإثارة تلك الشّبهة على لسان كفّار قريش ومن سبقهم من الأمم الخوالي. والإغراب في التّعجّب كثيرا ما يكون باعثا على التّكذيب، وإنكار الله لذلك التّعجّب يتضمن الرّدّ على مزاعمهم تلك، وأن الله تعالى قد كرّم هذا الإنسان بما أودع فيه من قابلية للسمّو الرّوحي حتى يصبح مؤهّلا للاتصال بالسّماء: (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (الحج:75).

وجاء التّعبير بـ"النّاس" لأنّ هذا الموقف من الإنكار والتّعجيب لا يخصّ كفار قريش وإنما يشركهم فيها غيرهم من الكفار والملاحدة في كل زمان ومكان.

٢٬٣٩٢ / ٦٬٢٠١