نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٦٩إنكار إنزال الوحي من الله على بشر، وادّعاء أنّ ذلك هو نوع من السّحر هو جهل بحقيقة الألوهية، وأنه تعالى يخلق ما يشاء ويختار. وبما أنّ الرّسول ركّز دعوته الأولى على إبطال الشّركاء للإله الحقّ، فكان هذا الخطاب للمشركين ردّا على مزاعمهم وبيانا لحقيقة الألوهية فقال تعالى: (اِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ اِلاَّ مِنم بَعْدِ إِذْنِهِ ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَّكَّرُونَ).
وكما كان للمشركين فساد تصوّر في حقيقة الرّسالة والنّبوءة. فقد ظهر أيضا فساد تصوّرهم في حقيقة الألوهية والرّبوبية، وذلك عندما دعاهم الرّسول لعبادة إله واحد فقال بعضهم لبعض: (اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص:5). وكلتا الحقيقتين تحتاج إلى تصحيح وترشيد، لأن الزّيغ والضّلال في تصوّر إحداهما تجرّ إلى الزّيغ والضّلال في الأخرى، فهما مرتبطتان لأنّ من مظاهر كمال الرّبوبية العلم والحكمة، والبرّ والرّحمة. فالله تعالى عليم حكيم، وهو البرّ الرّحيم بعباده، إذ يختار من بينهم من يجعله محطّ رسالته ومرتكز هدايته ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، ولذلك أعقب حكاية عجب الكفّار من ظاهرة الوحي إلى بشر وما علّلوها به ببيان ما يبطلها من أساسها، وهو التّذكير بحقيقة الرّبوبية ومظاهر قدرتها وكمالها، فتوجّه الخطاب إلى هؤلاء المنكرين لحقيقة الوحي على أسلوب الالتفات.