نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ١٧٠

واختيار كلمة "الرّبّ" في مجال الخلق والإيجاد لها إيحاءاتها في التّنبيه إلى معاني الرّعاية والحنوّ، إذ جعل لنا من السّماء غطاء ومن الأرض فراشا ومهادا، وكيف قدّر أحجامها وأبعادها في ستّة أيام، والأيام هنا هي بالمعايير الفلكية لخلقة الكون، وهو المدبّر للأمر بينها بحكمة بالغة، وإتقان بديع بحيث تتمّ الأحداث فيهما وفق ما قدّره الله في علمه وكلّ ذلك خاضع لإرادته وسلطته تعالى، لا يغرب على علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء، وقد بسطنا القول في معنى استوائه تعالى على العرش، مما هو في حدود مداركنا من المعاني اللّغوية دونما الخوض في تلك الحقائق الكونية التي لا يعلم كنهها إلا الله تعالى، وفق ما يرشد إليه قول الإمام مالك رضي الله عنه: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول".

وقوله: (مَا مِن شَفِيعٍ اِلاَّ مِنم بَعْدِ إِذْنِهِ) جاء مناسبا لبيان عظمة الله وسلطته في تدبير أمور خلقه لردّ شبهات المشركين في ادّعائهم الشّفعة للآلهة التي يعبدونها، كما حكى الله عنهم في ما يأتي من هذه السّورة: (وَيَقُولُونَ هَؤُلآَءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللهِ) (يونس:18). والاستثناء: (اِلاَّ مِنم بَعْدِ إِذْنِهِ) يفيد ما أثبته القرآن من الشّفاعة لمن ارتضى من خلقه، وفي مقدمتهم شفاعة رسول الله. فالرّب الموصوف بهذه الصّفات الكاملة هو الجدير بالعبادة، لأن الآلهة التي تعبدونها عاجزة أن تخلق شيئا من ذلك، ومن مظاهر الرّحمة في الرّبّ المعبود بحقّ أن يهدي خلقه إلى سبل العدل والرّشاد، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وهدايتهم بواسطة من يختاره من عباده، وبالتّالي فإن الإيمان بواجب الوجود، يقتضي الإيمان بالرّسل.

٢٬٣٩٦ / ٦٬٢٠١