نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٨١ومن فضل الله على المؤمنين أن يديم لهم تلك الفيوض الرّبانية، وتزداد إشراقا على مرّ الأيام، وذلك ما تدلّ عليه صيغة المضارع: (يَهْدِيهِمْ)، ولا جرم أنه كلما ازداد حجم النّور الإيماني في قلب المؤمن ازدادت منزلته في الحظيرة القدسية، وذلك هو الفوز المبين، لا يرقى إلى مراتبه العليا إلا الأنبياء ومن دونهم من أولياء الله، وقد أرشدنا المولى إلى طلب إتمام ذلك النّور في قوله: (يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّءَ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ’ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التّحريم: 8).
وفي جزاء هؤلاء السّعداء يركّز النّصّ على الجزاء الرّوحاني أكثر، وذلك بعد ذكر الجزاء الجسماني باختصار: (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الاَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، ثم قال تعالى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ).
والدّعوى بمعنى الدّعاء لله، أو بمعنى العبادة له، والدّعاء مخّ العبادة، فجلّ عملهم هنا مقتصر على حمد الله والثّناء عليه والتّسبيح له، وهم بذلك يستشرفون منازل الحظوة والقربى عند الله لبلوغ أعلى مراتب اللّذة الرّوحانية التي هي أعظم منالاً وأقوى جزاء من اللّذات الحسّية، كما قال تعالى بعد ذكر نعيم الجنة: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ) (التّوبة:72). وإذ قد غمرتهم كرامة الله في الجنة كانت تحيتهم فيها سلام، هكذا باللّفظ الدّال على الجنس، وهو يدلّ على السّلامة من مكروه.
والجملة: "السّلام عليكم" هي تحية المسلمين في الدّنيا، ونظرا لما تحمله من معاني التّكريم والتّلطف، أضيفت إلى المؤمنين: (تَحِيَّتُهُمْ) حتى لكأنهّا أصبحت شعارا لهم يردّدونه فيما بينهم، حتى وهم في روضات الجنات، لا يمسّهم فيها نصب ولا لغوب، وحتى ربّ العزة وملائكته الأقربون يكرمونهم بهذه التّحية: