نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٥

على ذكر عواقب البغي في الأرض وما ينجرّ عنه من الفساد، ولما كان بغي النّاس سببه هو الإفراط في حبّ الدّنيا وطلب متاعها، جاء هذا المثل البليغ لبيان أن ذلك المتاع قصير المدة سريع الزّوال، فلا ينبغي للعاقل أن يغترّ به فقال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالاَنْعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

نحن أمام تشبيه بليغ، كلّ من المشبّه والمشبّه به فيه هيئة مركبة، ووجه الشّبه بينهما قصر المدة وسرعة الزّوال.

أ) - فالمشبّه: هو متاع الحياة الدّنيا في زينته وبهجته وافتتان النّاس به، وغرورهم بالتّمكّن منه.

ب) - والمشبّه به: مفعول ماء المطر بنبات الأرض يزهو وتتألق نضرته ويختلط بعضه ببعض.

ج) - وجه الشّبه بين الهيئتين، مصير كل منهما إلى الفناء والزّوال بسرعة حتى كأن تلك الهيئة لم تكن من قبل.

ولما كان المفتونون بمتاع الدّنيا يعتقدون دوام ما هم فيه من زينة وبهجة، فقد نزّلوا منزلة الغافلين عن تلك الحقيقة وجيء بصيغة القصر: "إِنَّمَا" لتأكيد مضمون التّشبيه في المآل وسرعة الزّوال. ثم إن الإطناب والتّفصيل في أطوار الحالين المتشابهين يقصد به استكمال الصّورة للمثل وإبرازه في حركية تتفاعل فيها مشاهد البهرجة والزّينة مع مشاعر النّاس وأحاسيسهم في الاطمئنان والرّضى بما فتنوا به يأتي عنصر المباغتة ليمحو جمال تلك الصّورة كلية. فإذا بذلك الخصب يجدب ويزول وإذا بذلك الغرور والافتتان تعقبهما النّدامة والخسران. ذلك هو الجانب البلاغي في عناصر التّشبيه.

٢٬٤٣١ / ٦٬٢٠١