نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٤وفي اختيار كلمة: (رَبُّكَ) معنى الرّعاية الرّبانية لرسوله. كما أن اختيار كلمة: (الْمُفْسِدِينَ) فيه تهديد بالانتقام، لأن الذي يكون مفسدا في الأرض هو الذي بلغ الدّرجة القصوى في العناد والمكابرة وفقد أيّ استعداد للإيمان والصّلاح، كما وصف الله فرعون في استعلائه وطغيانه فقال: (إِنَّهُ’ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4). وفي الجملة تعريض بالوعيد والإنذار وفي حالة الإصرار على التّكذيب وما يتبعه من الإفساد في الأرض من بعد ما أقمت عليهم الحجة فقل لهم يا محمد: (لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمُ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ).
إنها المفاصلة والمتاركة بين الرّسول وخصومه إذ يعمل كلّ على شاكلته، والله وحده هو الذي يجازي كلّ فرد على عمله، ومع المفاصلة في الأعمال تأتي المباعدة بين الفريقين بالبراءة وعدم المخالطة فلا يؤاخذ أحد بعمل الآخر، إذ تنحصر مسؤولية كل إنسان في نفسه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر:38)، (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164).
وقد يجدي أسلوب المباعدة والتّرك للمجرم حين يترك مصيره لنفسه، فتنقطع عنه الموعظة والنّصيحة، إذ تسكن في نفسه بواعث العناد والمكابرة، وربما دفعه ذلك إلى إعادة تقييم موقفه والتّماس الحق والصّواب، وهو أسلوب معتمد في التّربية قديما وحديثا لكسر شوكة الشّرود والنّفور عند بعض المتمردين، وقد تكرّر في القرآن مثل هذا الموقف فقال تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام:
أ) - (قُلِ اِِنِ اِفْتَرَيْتُهُ’ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) (هود:35).
ب) - (قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (سبأ:25).
ج) - (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (الشّعراء:216).