نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٢٣٦

لم يكن رسول الله ليقصّر في إبلاغ دعوته، حتى وهو يعلن لخصومه تلك المفاصلة بل كان يسيئه ذلك الموقف منهم لما ينجرّ عنه من نقمة الله عليهم، فبيّن في هذه الآية كيف أنّ قسما منهم يحضرون مجلسه ويستمعون إلى كلامه، وفي ذلك وسيلة كبرى للتّوفيق والهداية وإثارة لنوازع الخير في نفوسهم، وبما أنهم مع ذلك قد استمرّوا في كفرهم وعنادهم، فإن ذلك يدلّ على أنهم بلغوا من الحقد والنّفور ومن العداوة لرسول الله ما لا رجاء له في استجابتهم لدعوته، لأنهم يستمعون إلى كلام رسول الله ولكنهم كالصمّ لا يبلغ صوته شغاف قلوبهم فيعقلون معانيه، ويشاهدون شخصه الشّريف ولكنهم عميٌ عن إدراك جلال النّبوءة ووقار الرّسالة، وأنّى لرسول الله أن يملك جعل الأصمّ سميعا أو جعل الأعمى بصيرا مهما أوتي من فصاحة وبيان؟: (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ).

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ): كما قال تعالى على لسان حالهم في سورة فصّلت: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلِ اِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت:5).

فما أحوج الرّسول الدّاعية إلى ما يطمئن نفسه بأنه لم يقصّر في دعوته لمثل هؤلاء، ولذلك أعلمه الله بعد تشخيص تلك الحالة المعنتة فأخبره بالعدل الإلهي في تدبير شؤون الخلق فقال: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

٢٬٤٦٢ / ٦٬٢٠١