نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٥٦وبما أن الإنسان مهما كان منتبها وضابطا لما يقوم به من أعمال قد يسهو ويغفل عن بعضها كما تغيب عنه دقائق الأشياء وجزئياتها، ولكن الله العليم بكل شيء لا يخفى عليه مهما دقّ وبعد عليكم إدراكه، ولو كان يبلغ وزنه مثقال ذرّة في الصّغر والخفة، ونرى الإعجاز العلميّ في هذه الآية وفي نظيرتها من سورة سبأ مع تقديم السّماء هناك على الأرض على عكس التّرتيب هنا، لأنّ السّياق في ذكر الإحصاء لأعمال أهل الأرض. قلت: يبدو الإعجاز العلمي في اختيار لفظ "الذّرة" للتّمثيل على الصّغر والخفة، فإذا بالعلوم المادية تستعمل نفس المصطلح للجزء غير المنقسم للمادة في نظر القدامى من علماء الإغريق. وقوله تعالى: (وَلآَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ) يشير إلى نظرية تحطيم الذّرة واكتشاف جزئياتها وما في ذلك من طاقة كامنة أصبحت تستغل اليوم في المجالات المدنية والعسكرية. فسبحان مدبّر الكون الذي يعلم السّرّ وأخفى.
ثم عطف الأكبر على الأصغر ليشمل كلّ ما في الكون مما نبصره وما لا نبصره من عظيم المخلوقات كالشّموس والمجرّات، فالله تعالى محيط بها مدبّر لأمرها وفق ما هو مضبوط مبيّن في الكتاب، وهو المعبّر عنه باللّوح المحفوظ حيث تكتب فيه مقادير الموجودات كلها، كما تقدم تفصيل ذلك في سورة الأنعام عند تفسير قوله تعالى: (وَعِندَهُ’ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ) (الأنعام:59).