نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٢قصص الأنبياء مع أقوامهم تكررت في القرآن بأساليب مختلفة مجملة ومفصّلة، ولكلّ منها موقعها المناسب، ويأتي بعضها هنا في أواخر هذه السّورة الكريمة تتميما لمحاجّة المشركين ممن كذّبوا رسول الله في دعوته بمكة، ولكل من تبلغهم دعوته من المكذبين. وقد تخلّلت ذلك الحجاج الطّويل إيماءات تهدّد المكذّبين بالعاقبة الوخيمة في أثناء السّورة، آخرها قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (يونس:47).
ففي مثل هذا القصص تسلية للرّسول وأصحابه حتى يثبت ويصبر، وهو متأكد بنصر الله له في نهاية المطاف، وتذكير للمكذّبين بمصير من سبقهم إتماما للحجة، وقد اختار الله قصة رسولين هما من أولى العزم، نوح وموسى وأردفهما في نهاية السّورة بقصة يونس مع قومه، فقال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ اِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مََّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِئَايَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنَ اَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ).
أمر الله رسوله بأن يتلو على قومه قصة نوح مع قومه، وجاء الأمر معطوفا على قوله: (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ)، لأن القصة تعتبر تكميلا لما سبق من ذلك الوعيد الشّديد بما تتضمنه من بيان سنة الله في خلقه واستدراج المكذّبين إلى نهايتهم بعد إقامة الحجة عليهم. وبعد التّمهيد بتلاوة نبأ نوح يأتي البيان للحدث مسبوقا بـ"إذ" وهو يدلّ على الزّمان الماضي، بمعنى: اذكر يا محمد لكفّار قومك خبر نوح مع قومه حين قال لهم في تحدّ وعزيمة.