نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٢٧٣

وقد افتتح نوح خطابه لقومه: بـ"يَا قَوْمِ" لاستمالة نفوسهم إليه، ولفت أنظارهم إلى ما سيلقيه إليهم، وأنهم مهما عارضوه وكذّبوه فهم قومه وقبيله يريد لهم الخير والصّلاح. ومثل هذا الأسلوب في استئناس النّفوس الشّرودة هو من أخلاقيات الدّعوة التي يجب على الدّعاة أن يتأسّوا فيها برسل الله.

ويتركبّ مقول القول من شرط وجزاء يتضّمن كلاهما قيودا متعدّدة:

أ) - نجد في الشّرط قوله: (إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مََّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِئَايَاتِ اللهِ). ويستعار الكبر للمشقة والحرج، وقد ثقل عليهم مقامه بينهم لطول مكثه عليه السلام وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لقوله تعالى في سورة العنكبوت: (فَلَبِثَ فِيهِمُ أَلْفَ سَنَةٍ اِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً) (14). ثم لتجذّر الكفر في نفوسهم حتى ألفوه وتوغّلوا فيه بحيث أصبحوا يشمئزون من الحق وتأباه نفوسهم، وبالتّالي فهم ينفرون من التّذكير بآيات الله الدّالة على وحدانيته، وتلك هي الحالة الغالبة على المستغرقين في طلب اللّذات العاجلة، المنكرين للحياة الآجلة.

وفي جواب الشّرط تأتي قيود أخرى تعبّر كلها على التّصميم والتّحدّي لأولئك المكذبين -وهم في قوة ومنعة- وقد بلغوا من الحنق والكره لرسولهم ما يؤدي إلى الانتقام منه. ولذلك بادرهم بقوله عليه السلام: (فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ)، بتقديم الجار والمجرور ليبيّن لهم أن توكّله على الله وحده في تدبيره أمره معهم، فهو حسبه ونعم الوكيل، فتلك هي عدّته التي واجه بها قومه وهو يتحداهم بقوله: (فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنَ اَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ).

٢٬٤٩٩ / ٦٬٢٠١