نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٤فقد ألّبهم بفعل كلّ ما يملكون من وسائل المكر والكيد، يجمعون أمرهم عليه متضامنين لينفذوه بطريقة واضحة لا تستر فيها ولا لبس، وذلك بإحكام الخطة وإنفاذها تامّة جلية الحكم دونما انتظار ولا تردّد في التّنفيذ، وهذا نظير قوله تعالى باختصار في سورة هود: (إِنِّيَ أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم) (54 - 56).
إنه خطاب الواثق بربّه، المعتدّ بقوة إيمانه، المتيقّن بالنّصر، المتوكّل على العزيز الجبّار، الذي تتضاءل أمام قوته وجبروته كل الطّواغيت من أولياء الشّيطان.
ويقف نوح هذا الموقف الصّلب لأنه نفض يديه من كل مطمع يرجوه في قومه من قطع خير أو إيصال شرّ.
وصاحب الأمر متى تجرّد من تلك المطامع واعتمد على الرّازق الوهّاب، فإنه لا تستفزّه المغريات ولا تستميله المطامع. ولذلك فرّع على قومه جملة أخرى بالشّرط والجواب فقال: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنَ اَجْرٍ اِنَ اَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنَ اَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
قال لهم ذلك ليؤكد لهم عدم خوفه من كيدهم لأنه ما أخذ عنهم مالا ولا أجرا على دعوته إياهم، فهو لا يأبه لتولّيهم عنهم، لأنه لم يتسبّب بأي شيء في ذلك الإعراض بعد نفيه لأي نفع يطلبه منهم، إذ قصر أجره على الله وحده، وهو مأمور أن يطبق ما يدعوهم إليه من إسلام الوجه لله سواء أقبلوا أم أعرضوا.
وبعد إتمام حديثه إليهم فكيف كانت عاقبتهم بعد ذلك؟: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مََّعَهُ’ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلآَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ).