نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٧قبل أن يثني الله بقصة موسى مع فرعون وقومه، عطف بـ"ثم" على قصة نوح فذكر بعثة رسل كثيرين إلى أممهم فتلقتهم بمثل ما تلقّى به قوم نوح رسولهم بالكفر والتّكذيب، فتعرضت تلك الأمم إلى ما تعرّض إليه قوم نوح من الختم على قلوبهم وإهلاكهم، عسى أن يتعظ بذلك أهل مكة فقال جلّ من قائل: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنم بَعْدِهِ رُسُلاً اِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُومِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ).
العطف بـ"ثم" للتراخي الرّتبي، إذ كان بين نوح وموسى فترة زمنية طويلة، نشأ فيها أقوام عديدون. وهكذا يحمل النّصّ المسار البشري بين نوح وموسى فيذكر على الإجمال بعثة رسل عديدين إلى أقوامهم، وكيف جاءوهم بالبيّنات الدّالّة على صدقهم، أي كلّ على حسب ما يناسب قومه من الأدلة والبراهين ومن المعجزات الواضحة لصدق دعواهم، فترتب على ذلك أنهم لم يؤمنوا، وجاء النّفي بـ"لام" الجحود للمبالغة في نفي الشّأن، لأن قوله: (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ) مؤذن بأنّ التّكذيب حاصل من أول أمر الدّعوة، واستمرّوا على التّكذيب بعد مجيء البيّنات، لأن شأنهم كذلك، إذ ختم الله على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان قطّ كشأن من سبقوهم في الكفر، والكفر اعتداء وظلم يؤدّي بأصحابه إلى مثل ذلك الطّبع على القلوب، وهو سنّة مطّردة تكون آثارها حتمية على كل من اختار طريق الكفر والضّلال مثل كفار قريش بالنّسبة لدعوة رسول الله، لأنهم بموقف التّكذيب صاروا متصفين بالاعتداء والظّلم.
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنم بَعْدِهِم مُُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ بِئَايَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُُّجْرِمِينَ):